وأحسن من هذا أن الآية قررت حرمة القتال فِي الأشهر الحرم لحكمة تأمين سبل الحج والعمرة، إذ العمرة أكثرها فِي رجب ولذلك قال: {قتال فيه كبير} واستمر ذلك إلى أن أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجَّ على المشركين فِي عام حجة أبي بكر بالناس؛ إذ قد صارت مكة بيد المسلمين ودخل فِي الإسلام قريش ومعظم قبائل العرب والبقية منعوا من زيارة مكة، وأن ذلك كان يقتضي إبطال تحريم القتال فِي الأشهر الحرم؛ لأن تحريمه فيها لأجل تأمين سبيل الحج والعمرة. وقد تعطل ذلك بالنسبة للمشركين ولم يبق الحج إلاّ للمسلمين وهم لا قتال بينهم، إذ قتال الظلم محرم فِي كل زمان وقتال الحق يقع فِي كل وقت ما لم يشغل عنه شاغل مثل الحج، فتسميته نسخاً تسامح، وإنما هو انتهاء مورد الحكم، ومثل هذا التسامح فِي الأسماء معروف فِي كلام المتقدمين، ثم أسلم جميع المشركين قبل حجة الوداع وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حرمة الأشهر الحرم فِي خطبته، وقد تعطل حينئذٍ العمل بحرمة القتال فِي الأشهر الحرم، إذ لم يبق مشرك يقصد الحج. فمعنى نسخ تحريم القتال فِي الأشهر الحرم أن الحاجة إليه قد انقضت كما انتهى مصرف المؤلَّفة قلوبهم من مصارف الزكاة بالإجماع لانقراضهم.