عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ"لَمَّا أُصِيبَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ أَصْحَابُ خُبَيْبٍ بِالرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَقْتُولِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا هَكَذَا، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَلَا هُمْ أَدُّوا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ النَّفَرَ فِي الشَّهَادَةِ وَالْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أَيْ مَا يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أَيْ مِنَ النِّفَاقِ {وَهُوَ أَلَدُ الْخِصَامِ} أَيْ ذُو جِدَالٍ إِذَا كَلَّمَكَ وَرَاجَعَكَ {وَإِذَا تَوَلَّى} أَيْ خَرَجَ مِنْ عِنْدَكِ {سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أَيْ لَا يُحِبُّ عَمَلُهُ وَلَا يَرْضَاهُ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} الَّذِينَ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ حَتَّى هَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} اخْتِلَافَ سَرِيرَتِهِ، وَعَلَانِيَتِهِ.
قَالَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ:"إِنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ:"إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، قُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، لَبِسُوا لِلنَّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، يَجْتَرُّونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ، وَبِي يَغْتَرُّونَ؟ وَعِزَّتِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ""