كلا. مخطئ أنت يا من اعتبرت النعمة إكراما من الله، وأنت مخطئ أيضاً يا من اعتبرت سلب النعمة إهانة من الله؛ إن النعمة لا تكون إكراما من الله إلا إذا وفقك الله فِي حسن التصرف فِي هذه النعمة، وحق النعمة فِي كل حال يكون بشكر المنعم، وعدم الانشغال بها عمن رزقك إياها. ونحب أن نفهم - أيضا - أن قول الله سبحانه وتعالى:"والله يرزق من يشاء بغير حساب"ينسحب على معنى آخر، وهو أنه - سبحانه - لا يحب أن تقدر أنت رزقك بحساب حركة عملك فقط؛ فحساب حركة عملك قد يخطئ. مثال ذلك الفلاح الذي يزرع ويقدر رزقه فيما ينتج من الأرض، وربما جاءت آفة تذهب بكل شيء كما نلاحظ ونشاهد، ويصبح رزق الفلاح فِي ذلك الوقت من مكان آخر لم يدخل فِي حسابه أبداً. ولهذا فإن على الإنسان أن يعمل فِي الأسباب، ولكنه لا يأخذ حسابا من الأسباب، ويظن أن ذلك هو رزقه؛ لأن الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل فِي حسابك ولا فِي حساباتك، وقال الحق فِي ذلك:
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
(من الآيتين 2، 3 سورة الطلاق)
وبعد ذلك يقول لنا الحق سبحانه وتعالى فِي آية أخرى ما يوضح لنا ويبين قضية العقيدة وموكب الرسالات فِي الأرض، بداية وتسلسلاً وتتابعاً فِي رسل متعاقبين،
فقال الحق سبحانه وتعالى:
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213) . انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 896 - 903}