قوله تعالى: {ولا جدال في الحج} يشمل الجدال فيه، وفي أحكامه، والمنازعات بين الناس في معاملاتهم؛ مثال الجدال فيه: أن يقال: «ما هو الحج؟» ، فيحصل النزاع؛ أو «متى فُرض؟» ، فيحصل النزاع فيه؛ ومثاله في أحكامه: النزاع في أركانه، وواجباته، ومحظوراته؛ ومثال النزاع بين الناس في معاملاتهم: أن يتنازع اثنان في العقود، فيقول أحدهما: «بعتك» ، والثاني يقول: «لم تبعني» ؛ أو يقول: «بعتك بكذا» ، ويقول الثاني: «بل بكذا» ؛ أو يتنازع اثنان عند أنابيب الماء في الشرب، أو الاستسقاء، أو عند الخباز -
قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} : لما نهى عن هذه الشرور انتقل إلى الأمر بالخير؛ وهذه الجملة شرطية: {ما} أداة الشرط؛ وفعل الشرط: {تفعلوا} ؛ وجواب الشرط: {يعلمه الله} ؛ ولهذا جزمت؛ و {مِن} بيانية تبين المبهم من اللفظ؛ لأن {ما} شرطية مبهمة كالموصول؛ و {خير} نكرة في سياق الشرط، فيشمل كل خير سواء كان قليلاً، أو كثيراً -
وقوله تعالى: {يعلمه الله} : أي يحيط به علماً -
قوله تعالى: {وتزودوا} أي اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم - وهذا أفضل النوعين - لقوله تعالى: {فإن خير الزاد التقوى} و «التقوى» اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ هذا أجمع ما قيل في التقوى -
لما رغب الله سبحانه وتعالى في التقوى أمر بها طلباً لخيرها فقال تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} ؛ و {اتقونِ} فعل أمر؛ والنون للوقاية؛ والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به؛ و {يا أولي الألباب} جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها -
الفوائد:
1 ــــ من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهراً مع أنه أيام ــــ ستة أيام ــــ؛ وقد جعل الله له أشهراً ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يوماً فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله -