وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: أي قاتلوا الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ، والصبيان، والرهبان، والنساء، وليكن قتالكم في سبيل الله، لا في سبيل غيره. ومن سبيل الله في القتال، أن يكون القتال لتكون كلمة الله هي العليا فقط. وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: أي لا تعتدوا في قتالكم، بارتكاب ما نهيتم عنه في القتال، من المثلة، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ، الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب
الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، والغلول. فكل ذلك تجاوز لأمر الله في القتال، واعتداء. والله لا يحب المعتدين، الذين يتجاوزون حدوده. هذا الاتجاه في تفسير الآية هو الذي رجحه ابن كثير، ورد الاتجاه الذي يقول إن هذه الآية منسوخة. ذكر ابن كثير: (عن أبي العالية في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة. فلما نزلت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله. ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال - أي الرازي - هذه منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. (سورة التوبة) وفي هذا نظر.
لأن قوله تعالى: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ: إنما هو تهييج، وإغراء بالأعداء الذين همهم قتال الإسلام وأهله. أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم).
ثم استشهد ابن كثير بالآية التالية للآية الأولى على صحة ما ذهب إليه بعدم النسخ:
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ. فهي تشبه الآية التي قيل عنها إنها ناسخة، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. يبقى أن
يقال: إن هذه الآية قد يفهم منها معنى زائد على آية براءة.