فأمر صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا فِي سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل فِي سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول صلى الله عليه وسلم . والإنفاق صرف المال فِي وجوه المصالح . فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر . وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق فِي الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق فِي صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو فِي الزكاة والكفارات أو فِي عمارة بقاع الخير وغير ذلك . الأقرب فِي هذه الآية . وقد تقدم ذكر القتال . أن يراد به الإنفاق فِي الجهاد ، ولكنه تعالى عبر عنه بقوله {فِي سبيل الله} ليكون كالتنبيه على السبب فِي وجوب هذا الإنفاق . فالمال مال الله فيجب إنفاقه فِي سبيل الله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه . والباء فِي {بأيديكم} مزيدة مثلها فِي"أعطى بيده للمنقاد"والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم . وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] {بما قدمت يداك} [الأنفال: 51] أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة . وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال"أهلك فلان نفسه بيده"إذا تسبب لهلاكها . عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد . لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا ، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم"التضرة""والتسرة"ونحوها فِي الأعيان"التنضبة"لشجر و"التتفلة"لولد الثعلب . ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين ، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار فِي الجوار . وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج فِي تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر