والعقلاء والمفكرون يأخذون الدين من مبادئ الدين نفسه ، ولا يأخذونه من سلوك الناس ، فقد يجوز أن تقع عين المراقب على مخالف فِي مسألة يحرمها الدين ، فلا تأخذ الفعل الخاطئ على أنه الإسلام ، وإنما خذه على أنه خارج على الإسلام. وساعة يرانا العالم محسنين فِي كل شيء فنحن نعطيهم الأسوة التي كان عليها أجدادنا ، وجعلت الإسلام يمتد ذلك المد الخرافي الأسطوري حتى وصل فِي نصف قرن إلى آخر الدنيا فِي الشرق ، وإلي آخرها فِي الغرب ، وبعد ذلك ينحصر سياسياً عن الأرض ، ولكن يظل كدين ، وبقى من الإسلام هذا النظام الذي يجذب له الناس. إن الإسلام له مناعة فِي خميرته الذاتية إنه يحمل مقومات بقائه وصلاحيته ، وهو الذي يجذب غير المسلمين له فيؤمنون به ، وليس المسلمون هم الذين يجذبون الناس للإسلام.
ولذلك أقول: لو أن التمثيل السياسي للأمم الإسلامية فِي البلاد غير الإسلامية المتحضرة قد أخذ بمبادئ الإسلام لكان أسوة حسنة. وانظر إلى عاصمة واحدة من عواصم الدول الغربية تجد فيها أكثر من ثلاث وستين سفارة إسلامية ، وكل سفارة يعمل فيها جهاز يزيد على العشرين ، هب أن هؤلاء كانوا أسوة إسلامية فِي السلوك والمعاملات فِي عاصمة غير إسلامية ، حينئذ يجد أهل ذلك البلد جالية إسلامية ملتزمة ولم تفتنها زخارف المدينة: لا يشربون الخمر ، ولا يرقصون ، ولا يترددون على الأماكن السيئة السمعة ، ولا تتبرج نساؤهم ، بالله ألا يلفت النظر سلوك هؤلاء ؟