اختلف فِي حكم هذه الآية ، فقيل: هي ناسخة لحكم العفو ومنسوخة بقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} وقيل: ليست بمنسوخة ولا ناسخة ، وبيان ذلك أن من شرط الداعي إلى الحق أن يبينه ويدل عليه ويرفق ، فإن اهتدى المدعو ، وإلا أوعد ، فإن أنجع ذلك وإلا عدل بعد إلى المحاسبة والمحاربة على ما تقتضيه السياسة ، وعلى هذا قال بعضهم:"لا أستعمل سوطي ما كفاني لساني ولا سيفي ما كفاني سوطي".
وقال الشاعر:
أناة فإن لم يغن أعقب بعدها....
وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه
فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فِي أول الأمر بالرفق والأناة ، وأن يقتصر على الوعظ والمجادلة الحسنة ، كما قال تعالى:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وكان يستمر على ذلك حتى عاتبه بعض أصحابها فقال يا نبي الله:
"كنا فِي عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة"، فقال عليه السلام:"أمرت بالعفو فلا تقاتلوهم اليوم"، فلما ظهرت آياته ، وانتشرت بنياته ، ورأى من أبى الإصغاء إلى الحق ، واستمر على الضلال والإضلال أمر حينئذ بالمقاتلة أي المحاربة ، ولهذا قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}