وَلَكِنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يَصْدُقُ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الضَّوْءُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَا يَظْهَرُ فِي الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ أَوْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ ، وَصَحَّ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ فَهِمُوا أَوَّلًا أَنَّ الْخَيْطَيْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا حَتَّى بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا النَّهَارُ وَاللَّيْلُ يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) وَلَمْ يَنْزِلْ (مِنَ الْفَجْرِ) فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا ، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ (مِنَ الْفَجْرِ) فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ بِاسْتِبْعَادِ تَأَخُّرِ نُزُولِ هَذَا الْبَيَانِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ نَزَلَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ نُزُولِ الْآيَاتِ . وَالْعُمْدَةُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْمَرْفُوعُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي ، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: (إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ