وَيَدُلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إجَازَةَ الْوَرَثَةَ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ إجَازَتَهُمْ مُعْتَبَرَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَيْسُوا بِوَرَثَةٍ ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ لَهُمْ هَذِهِ السِّمَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ ، فَمَتَى أَجَازَ وَلَيْسَ بِوَارِثٍ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ} وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ مَتَى أَجَازَتْ الْوَصِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هِبَةً مُسْتَأْنَفَةً مِنْ جِهَتِهِمْ فَتُحْمَلُ عَلَى أَحْكَامِ الْهِبَاتِ فِي شَرْطِ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ وَنَفْيِ الشُّيُوعِ فِيمَا يُقَسَّمُ ، وَالرُّجُوعِ فِيهَا ، بَلْ تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَى أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْجَائِزَةِ دُونَ الْهِبَاتِ مِنْ قِبَلِ مُجِيزِيهَا مِنْ الْوَرَثَةِ.
وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الْعُقُودِ الْمَوْقُوفَةِ الَّتِي لَهَا مُجِيزٌ لِأَنَّ الْمَيِّتَ عَقَدَ الْوَصِيَّةَ عَلَى مَالٍ هُوَ لِلْوَارِثِ فِي حَالِ وُقُوعِ الْوَصِيَّةِ.
وَجَعَلَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ ، فَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِيمَنْ عَقَدَ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ إجَارَةٍ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ مَالِكِهِ ؛ إذْ كَانَ عَقَدًا لَهُ مَالِكٌ يَمْلِكُ ابْتِدَاءَهُ وَإِيقَاعَهُ ، وَقَدْ دَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ ؛ إذْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، كَمَا وَقَفَهَا النَّبِيَّ عَلَى إجَازَتِهِمْ إذَا أَوْصَى بِهَا لِوَارِثٍ فَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا فِي ضِمْن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا وَصِيَّةَ
لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ.