الْبِرَّ وَلَا مِنْهُ ، بَلْ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ عَمَلًا صَالِحًا كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آيَاتِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَأَحَلْنَا فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي بَيَّنَ اللهُ فِيهَا مَجَامِعَ الْبِرِّ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ (لَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ ، وَنَافِعُ وَابْنُ عَامِرٍ بِالتَّخْفِيفِ ; أَيْ: وَلَكِنْ جُمْلَةُ الْبِرِّ هُوَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ إِلَخْ ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَعْنَى بِالذَّاتِ ، وَهُوَ مَعْهُودٌ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ ، وَالْقُرْآنُ جَارٍ عَلَى الْأَسَالِيبِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى لَا عَلَى فَلْسَفَةِ النُّحَاةِ وَقَوَانِينِهِمُ الصِّنَاعِيَّةِ ، وَبَلَاغَةُ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ إِنَّمَا هِيَ فِي إِيصَالِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ إِلَى الذِّهْنِ عَلَى أَجْلَى وَجْهٍ يُرِيدُهُ الْمُتَكَلِّمُ وَأَحْسَنِ تَأْثِيرٍ يَقْصِدُهُ ، وَمِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ لَا يَزَالُ مَأْلُوفًا عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى فَسَادِ أَلْسِنَتِهِمْ فِي اللُّغَةِ ، يَقُولُونَ: لَيْسَ الْكَرْمُ أَنْ تَدْعُوَ الْأَغْنِيَاءَ وَالْأَصْدِقَاءَ إِلَى طَعَامِكَ وَلَكِنَّ الْكَرَمَ مَنْ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ الْعَاجِزِينَ عَنِ الْكَسْبِ ، فَالْكَلَامُ مَفْهُومٌ بِدُونِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ ذَا الْكَرَمِ مَنْ يُعْطِي ، أَوْ لَكِنَّ الْكَرَمَ عَطَاءُ مَنْ يُعْطِي . وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي حَاجَةٍ إِلَى بَيَانِ النُّكْتَةِ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ إِلَخْ ، وَهَذِهِ النُّكْتَةُ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْعِبَارَةِ ; فَإِنَّهَا تُمَثِّلُ لَكَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الْمَوْصُوفِ