ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة اللَّه تعالى ند على ما فرط في جنب اللَّه، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك يلوم نفسه، والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال المقام في المحراب؛ وأبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ لأزداد في الثواب!
ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك يشغله عن اللوم على نفسه؛ فلا يتفرغ له.
ولأن اللَّه - تعالى - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه بعمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم نفسه بتقصيرها في العمل، وهو يعلم أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل اللَّه تعالى وبكرمه، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3) :
فقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ) وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون ما حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، فمن تفكر في النشأة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها.