قوله: (وهو أقل ما ينتقض به) وهو أي الإمساك الْمَذْكُور أقل ما ينتقض به فيحمل
عليه؛ لأنه الأقل المتيقن فإذا أمسك ولو لحظة يتحقق العود الْمَذْكُور ووجوب الْكَفَّارة وقد
اعترض عليه أصحابنا بأمور مفصلة في شرح الهداية.
قوله: (وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة. وعند مالك بالعزم عَلَى
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
فيكون معنى (ثم يعودون) ثم يريدون العود. وفي الكَشَّاف[(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ
نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) يعني: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر
فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له
مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر: (ثم يعودون لما قالوا) : ثم يتداركون ما
قالوا؛ لأنّ المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل: عاد غيث على ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح.
والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه
ثالث: وهو أن يراد بما قالوا: ما حرّموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه نحو
ما ذكرنا في قوله تعالى (وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ) ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس.
والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة] . قال محيي السنة:[حُكْمُ
الظِّهَارِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْؤُهَا بَعْدَ الظِّهَارِ مَا لَمْ يُكَفِّرْ، وَالْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْعَوْدِ بَعْدَ الظِّهَارِ. لِقَوْلِهِ
تَعَالَى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ في العود فقال جماعة أَهْلُ
الظَّاهِرِ: هُوَ إِعَادَةُ لَفْظِ الظهار، وهو قول أبو الْعَالِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) أَيْ إِلَى مَا قَالُوا أَيْ أَعَادُوهُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ لَمْ
يُكَرِّرِ اللَّفْظَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهَارِ وَالْمُرَادُ مِنَ الْعَوْدِ هُوَ الْعَوْدُ
إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نَفْسِ الظِّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالثَّوْرِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ مِنَ
الْعَوْدِ الْوَطْءُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالُوا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، وَقَالَ قَوْمٌ
هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا
عَقِيبَ الظِّهَارِ زَمَانًا يُمْكِنُهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ فِي الْحَالِ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا
فِي الْوَقْتِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَوْدَ لِلْقَوْلِ هُوَ الْمُخَالَفَةُ، وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعَوْدَ بِالنَّدَمِ، فَقَالَ: يَنْدَمُونَ
فيرجعون إلى الألفة ومعناه على هَذَا، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ عَادَ فُلَانٌ لِمَا قَالَ أَيْ فِيمَا قَالَ وَفِي نَقْضِ مَا قَالَ يَعْنِي
رَجَعَ عَمَّا قَالَ، وَهَذَا يُبَيِّنُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَذَلِكَ أَنَّ قَصْدَهُ بِالظِّهَارِ التَّحْرِيمُ فَإِذَا أَمْسَكَهَا عَلَى النِّكَاحِ
فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُ وَرَجَعَ عَمَّا قَالَهُ فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ حَتَّى قَالَ لَوْ ظَاهَرَ من امْرَأَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ يَنْعَقِدُ ظِهَارُهُ وَلَا
كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يُرَاجِعَهَا فَإِنْ رَاجَعَهَا صَارَ عَائِدًا وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ] . قال الطيبي رحمه الله: وتمام تقريره
أي تمام تقرير ما ذهب إليه الشافعي أن حقيقة العود أن يصير الرجل إلَى ما قد كان عليه قبل
مباشرة هذا الْفعْل الطارئ ولا شك أن الظهار تغيير حال كان عليه الرجل من التحليل فإذا دام
على ما يقتضيه الظهار من التحريم بأن يعقبه الطلاق فقد جرى عَلَى ما ابتدأ به فلا كفارة، وأما إذا
سكت فقد أذن بالرجوع إلَى ما كان عليه قبل الظهار من إبقاء النكاح كأنه قيل: والَّذينَ يعزمون عَلَى
المفارقة والتحريم ويتكلمون بذلك الْقَوْل الشنيع ثم يمسكون عنه زمانًا أمارة عَلَى العود إلَى ما
كانوا عليه قبل الظهار فكفارة ذلك كذا. وقال الواحدي: قال أصحابنا العود الْمَذْكُور هنا صالح
للجماع كما قال مالك والعزم عَلَى الجماع كما قال أهل العراق، ولتركه الطلاق كما قال الشَّافعي
رحمه اللَّه وهو أقل ما [يطلق] عليه اسم العود فوجب تعلق الحكم به.