الوجه الثانيك أن معنى قوله: {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} أي سيرت بين السماء والأرض ، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها من قول العرب: بسست الإبل أبسها ، بضم الباء وأبستها أبسها بضم الهمزة وكسر الباء ، لغتان بمعنى سقتها ، ومنه حديث:
"يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام ، والعراق يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"
وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال} [الكهف: 47] الآية ، وقوله {وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً} [الطور: 10] .
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب} [النمل: 88] .
الوجه الثالث: أن معنى قوله: {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} نزعت من أماكنها وقلعت ، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة ، وأطوارها ، بالآيات القرآنية ، وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} كقوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً} [النبأ: 20] والهباء إذا انبث ، أي تفرق ، واضحمل وصار لا شيء ، والسراب قد قال الله تعالى فيه: {حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} [النور: 39] .
وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9)
قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً} .
أي صرتم أزواجاً ثلاثة ، والعرب تطلق كان بمعنى صار ، ومنه {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} [البقرة: 35] أي فتصيرا من الظالمين.
ومنه قول الشاعر: