وأصحاب اليمين هم أصحاب الميمنة الذين أشار إليهم تلك الإشارة المجملة في أول السورة . ثم أخر تفصيل نعيمهم , إلى موعده هنا بعد السابقين المقربين . وهو يعيد السؤال عنهم بتلك الصيغة التي تفيد التفخيم والتهويل: (ما أصحاب اليمين ?) . .
ولأصحابنا هؤلاء نعيم مادي محسوس , يبدو في أوصافه شيء من خشونة البداوة , ويلبي هواتف أهل البداوة حسبما تبلغ مداركهم وتجاربهم من تصور ألوان النعيم !
إنهم (في سدر مخضود) . . والسدر شجر النبق الشائك . ولكنه هنا مخضود شوكه ومنزوع . (وطلح منضود) . . والطلح شجر من شجر الحجاز من نوع العضاة فيه شوك . ولكنه هنا منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة . (وظل ممدود , وماء مسكوب) . . وتلك جميعا من مراتع البدوي ومناعمه , كما يطمح إليها خياله وتهتف بها أشواقه ! (وفاكهة كثيرة . لا مقطوعة ولا ممنوعة) . . تركها مجملة شاملة بغير تفصيل بعد ما ذكر الأنواع المعروفة لسكان البادية بالتعيين . (وفرش مرفوعة) . . وهي هنا لا موضونة ولا ناعمة . وبحسبها أنها مرفوعة . وللرفع في الحس معنيان . مادي ومعنوي يستدعي أحدهما الآخر , ويلتقيان عند الارتفاع في المكان والطهارة من الدنس . فالمرفوع عن الأرض أبعد عن نجسها . والمرفوع في المعنى أبعد عن دنسها . ولهذا ينتقل السياق من الفرش المرفوعة إلى ذكر من فيها من الأزواج: (إنا أنشأناهن إنشاء) إما ابتداء وهن الحور . وإما استئنافا وهن الزوجات المبعوثات شواب: (فجعلناهن أبكارا) لم يمسسن (عربا) . . متحببات إلى أزواجهن (أترابا) متوافيات السن والشباب . (لأصحاب اليمين) . . مخصصات لهم . ليتسق ذلك مع (الفرش المرفوعة) . .
فأما أصحاب اليمين هؤلاء فهم (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) . . فهم أكثر عددا من السابقين المقربين .