{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} أي: له كرم وشرف وقدر رفيع لاشتماله على أمهات الحكم والأحكام ، وما تنطبق عليه حاجات الأنام على الدوام .
{فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} أي: محفوظ مصون ، لا يتغير ولا يتبدل . أو محفوظ عن ترداد الأيدي عليه ، كغيره من الكتب ، بل هو كالدر المصون إلا عن أهله ، كما قال: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} اعلم أن في الآية أقوالاً عديدة مرجعها إلى أن المس مجاز أو حقيقة ، وأن الضمير عائد للكتاب بمعنى الوحي المتلقى ، أو المصحف ، وأن {الْمُطَهَّرُونَ} هم الملائكة ، أو المتطهرون من الأحداث والأخباث ؛ وذلك لاتساع ألفاظهما الكريمة ، لما ذكر بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز ، وهاك ملخص ذلك ولبابه:
فأما أكثر المفسرين ، فعلى أنه عني بالآية الملائكة . فنفي مسّه كناية عن لازمه ، وهو نفي الاطلاع عليه ، وعلى ما فيه . والمراد بـ المطهرين حينئذ إما جنس الملائكة ، أو من نزل به وهو روح القدس . وطهارتهم نقاء ذواتهم عن كدورات الأجسام ، ودنس الهيولى ، أو عن المخالفة والعصيان .
وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين ، فأخبر الله تعالى أنه: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} كما قال:
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 - 212] . انتهى . قال ابن كثير: وهذا القول قول جيد .
وقال الفرّاء: لا يجد طعمه ولا نفعه إلا من آمن به . ومثله قول محمد بن الفضل: لا يقرؤه إلا الموحدون .
فنفي مسّه كناية عن ترك تقبّله ، والاهتداء به ، والعناية به ، فإن مسّ الشيء سبب حب الملموس ، وأثر الإقبال عليه ، ورائد الانصياع له ، والطهارة حينئذ هي نظافة القلب من دنس الشرك والنفاق ، والملكات الرديئة ، والغرائز الفاسدة .