والبس هو خلط الدقيق في السمن. ونتصوره هنا اختلاط الجبال بعد أن أصبحت عِهناً منفوشاً بذرات الكون الأخرى ، ومياه البحار ، فتصبح الجبال الراسيات كالهباء الذي يظهر في شعاع الشمس. ومع ضعفه يؤكد القرآن أنه (مبثوث) أي متفرق.
لقد نسفت الجبال ، وبست في الكون ، فأصبحت لا يرى فيها عوجا ولا أمْتا..
ويجوز أن يكون البسُّ بمعنى الدفع. من قولهم: بسست الغنم أي دفعتها.
المرحلة الخامسة: مرحلة السراب.
قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)
وغنى عن البيان أن السراب هو الشيء الذي لا حقيقة له ولا وجود.
وبهذه المرحلة تنتهي الجبال الراسيات ، لأن مهمتها قد انتهت.
وكل هذه المراحل تتم في لحظة كما عرفنا: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)
آية الجبال في سورة النمل:
تتمة للموضوع ، تبقى آية من سورة النمل ، تحدثت عن الجبال وسيرها كالسحاب ، وقد أخرتها عن آيات الجبال ، لأنها تحتاج إلى دراسة عميقة.
قال تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)
اعتقد كثير من الدارسين أن الآية الكريمة مرحلة من مراحل الجبال يوم القيامة. واستدلوا على ذلك بأن الآية الكريمة وردت في حديث
القرآن عن الآخرة ، كما استدلوا بمثل قوله تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)
وهذا الفهم صحيح ، ويدفع أي إشكال في فهم الآية عن سلف الأمة راضي الله عنهم وعن كل الأجيال التي أعقبتهم ، ممن لم يشاهدوا عهد الاكتشافات العلمية لدوران الأرض.
ولكن الذين عاصروا العلم الحديث ، وهو يقرأ بعض أسرار الكون ، ومنها دوران الأرض حول نفسها ، وحول الشمس ، يمكنهم إذا تدبروا ألفاظ الآية الكريمة ، أن يفهموها فهما آخر ، بلا تكلف ، ولا تطويع للنص.