يَا مَنْ سَبَقُوهُ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَتَخَلَّفَ, وَأَذْهَبَ عُمْرَهُ فِي الْبَطَالَةِ وَتَسَوَّفَ, وَعَرَفَ الْمَصِيرَ فَمَا عَرَفَ النَّجَاةَ وَلا تَعَرَّفَ, وَكُلِّفَ بِالدُّنْيَا فَإِذَا طَلَبَ الأُخْرَى تَكَلَّفَ, يَا مَنْ مَرَضُهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ جُمْلَتِهِ وَتَصَرَّفَ, اطْلُبِ الشِّفَاءَ يَا مَنْ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ قَدْ أَشْرَفَ, وَابْكِ عَلَى ضَلالِكَ فِي الْهَوَى فالقوم مهتدون {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} .
{بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) }
الْكُوبُ إِنَاءٌ لا عُرْوَةٌ لَهُ وَلا خُرْطُومٌ. وَالأَبَارِيقُ: آنِيَةٌ لَهَا عُرًى وَخَرَاطِيمُ.
(سَجْعٌ)
تَرَكُوا لأَجْلِنَا لَذِيذَ الطَّعَامِ, وَسَارُوا يَطْلُبُونَ جَزِيلَ الإِنْعَامِ, وَقَامُوا فِي الْمُجَاهَدَةِ عَلَى الأَقْدَامِ, وَتَدَرَّعُوا مَلابِسَ الأَتْقِيَاءِ الْكِرَامِ, نُشِرَتْ لَهُمْ بِصِدْقِهِمُ الأَعْلامُ, وَحُلُّوا حِلْيَةَ الرِّضَا وَأَحَلُّوا مَحَلَّ التَّوْفِيقِ {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} .
طَالَ مَا عَطِشُوا فِي دُنْيَاهُمْ وَجَاعُوا, وَذَلُّوا لِسَيِّدِهِمْ صَادِقِينَ وَأَطَاعُوا, وَخَافُوا مِنْ عَظَمَتِهِ وَارْتَاعُوا, وَبِأُخْرَاهُمْ مَا يَفْنَى مِنْ دُنْيَاهُمْ بَاعُوا, وَحَرَسُوا بَضَائِعَ التُّقَى فَمَا فَرَّطُوا وَلا أَضَاعُوا, وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ, فَطَافَ الْوِلْدَانُ عَلَى شِفَاهٍ يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ وَأَتَى الرِّيقُ {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} .
تَحَمَّلُوا أَثْقَالَ التَّكْلِيفِ, وَرَفَضُوا التَّمَادِيَ وَالتَّسْوِيفَ, وَقَطَعُوا طريق الفوز للتشريف, وجانبوا موجب العتاب وَالتَّعْنِيفِ, فَتَوَلاهُمْ مَوْلاهُمْ وَحَمَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ, وَأَقَامُوا الولدان تسقيهم من الرحيق {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ} .
قوله تعالى: {وكأس من معين} الْكَأْسُ: الإِنَاءُ بِمَا فِيهِ وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الطَّاهِرُ الجاري.
قال الزجاج: المعين ها هنا: الْخَمْرُ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْعُيُونِ.
(سَجْعٌ)