وفي قوله: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} [سورة الواقعة: 92، 93] ، قال: هذا عند الموت، {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [سورة الواقعة: 94] ، قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في"الزهد".
وقال أبو العالية رحمه الله: لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يقبض. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وفسر ابن عباس - رضي الله عنهما - الروح بالراحة، والريحان بالاستراحة.
ومجاهد رحمه الله تعالى الروح بالفرح، والريحان بالرزق. رواهما ابن جرير].
وقال الحسن: أما والله إنهم ليبشرون بذلك عند الموت. روى ذلك عنهما عبد بن حميد، وغيره.
وروى ابن المنذر عن ابن عباس قال: الريحان الرزق.
وفي الآية تمييز المقربين عن أصحاب اليمين؛ فإنَّ أصحاب اليمين يسلمون من المكروهات عند الموت، ويشاركهم المقربون في السلامة، ويمتازون عليهم بالروح والريحان، وما لقيه الميت عند الموت فما بعده أبلغ من خير أو شر، إلا المؤمن العاصي فقد يخلص من ذنبه مما يلقاه عند الموت من كرب أو هول، وقد يبقى عليه بقية تكفر بما بعد الموت من الأهوال.
فأما أصحاب اليمين فإنَّهم يترقون فيما يجدونه عند الموت من الخير، والمقربون أولى بذلك.
ولحصول القربة للعبد علامة في العبد، وعلامة من الله تعالى للعبد:
فأمَّا علامة القرب في العبد فمحبة لقاء الله تعالى، والطمأنينة بذكره لقوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَه". رواه الشيخان، وغيرهما من حديث عبادة، وعائشة - رضي الله عنهما -.
ولما ادعى اليهود ولاية الله والقرب منه امتحنهم الله بتمني الموت، وعرَّفهم أنهم لا يتمنونه، وأكذبهم بعدم تمنيه، فقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [سورة الجمعة: 6، 7] ؛ أي: من المعاصي التي هي سبب البعد والعداوة.