فشهد سبحانه وتعالى لمن كان الباعث له على الإنفاق الإيمان وقصد القربة بالتقرب، وأنَّهُ حصل على القربة الحقيقية الموجبة للرحمة، كما شهد على المنافقين الذين يتخذون ما ينفقون مغرماً بأنَّ عليهم دائرة السوء حيث قال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [سورة التوبة: 98] .
فالتقرب إلى الله تعالى بالصدقات والنفقات على حسب الإيمان وحسن النية، ومن ثمَّ ليس كل متقرب أو مقرب مقرباً، ألا تسمع قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: 27] .
ظهر شِرْكه في قوله:"لأقتلنَّك"؟ حَسِبَ أنَّ المانع من قبول قربانه وجود أخيه، فتوعده بالإعدام والقتل، فأثبت لنفسه - أيضاً - حولاً وقوةً، فنبهه أخوه على أن سبب قبول القربان ليس نفس تقديم القربان ولا غيره
إلا تقوى الله بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [سورة المائدة: 27] .
وروى ابن جرير عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: إنَّ ابني آدم اللذين قربا قرباناً كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وإنَّما أُمِرَا أن يُقرِّبا قرباناً، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبةً بها نفسه، وإنَّ صاحب الحرث قرَّبَ شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإنَّ الله تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه.
وايم الله! إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه.