والمعنى: أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبراً يُخبر به عنهم أدلّ على مرتبتهم مِن اسم {السابقون} فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإِخبار بـ {ما} الاستفهامية التعجيبية في قوله: {ماأصحاب الميمنة} ، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني:
وإني من القوم الذين هُمُو هُمُو...
إذا مات منهم سيد قام صاحبه
مع ما في اشتقاق لقبهم من"السبق"من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون.
وحذف متعلق {السابقون} في الآية لقصد جعل وصف {السابقون} بمنزلة اللقب لهم ، وليفيد العموم ، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه النفوس الزكية كقوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 26] ، فهؤلاء هم السابقون إلى الإِيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم ، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم ، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية وليس صنفاً قد انقضى وسبقَ الأمةَ المحمدية.
وأُخِّر {السابقون} في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ترغيباً في الاقتداء.
وجملة {أولئك المقربون في جنات النعيم} ، مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنها جواب عما يثيره قوله: {والسابقون السابقون} من تساؤل السامع عن أثر التنويه بهم.
وبذلك كان هذا ابتداء تفصيل لجزاء الأصناف الثلاثة على طريقة النشرِ بعد اللف ، نشراً مشوَّشاً تشويشاً اقتضته مناسبة اتصال المعاني بالنسبة إلى كل صنف أقربَ ذِكراً ، ثم مراعاةُ الأهمّ بالنسبة إلى الصنفين الباقيين فكان بعض الكلام آخذاً بحُجز بعض.