فقد اعتُرض بين القسم وجوابه بقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} وداخل هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الصفة والموصوف، وهو {لَوْ تَعْلَمُونَ} وقد أريد بالاعتراضين تعظيم القسم وتفخيم أمره، وفي ذلك تعظيم للمقسم عليه وهو القرآن الكريم، وتنويه برفعة شأنه. ومما جاء في التعريض قول الشاعر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فالشاعر يخبر بتقدم سِنه وضعف سمعه، حتى صار يحتاج إلى من يسمعه القول، وجملة"وبلغتها"جملة معترضة أريد بها الدعاء للمخاطب بطول العمر، وإثارة عطفه على الشاعر.
{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) }
أي: بلغت الروح التراقي وبلغت الروح الحلقوم، وسر حذفه هنا ظهوره ظهورًا واضحًا والعلم به؛ لأن الآيات في ذكر الموت والأموات، ولا يبلغ التراقي والحلقوم عند الموت إلا الروح، وهنا سر آخر سوى ظهور الفاعل والعلم به، يتمثل في الإشارة إلى ما عليه الروح من قرب مفارقتها لصاحبها، وكأن حذفها من العبارة يشعر بذهابها. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...