قَوْله تَعَالَى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) }
«فإنْ قيلَ» : قد قَالَ: {سنفرغ} والفراغ لَا يكون إِلَّا عَن شغل، وَلَا يجوز الشّغل على الله تَعَالَى، فَكيف مَعْنَاهُ؟
وَالْجَوَاب: أَن هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد، كالإنسان يَقُول لغيره: سأفرغ لَك، وَإنَّهُ لم يكن فِي الْحَال فِي شغل.
وَقَالَ الزّجاج: والفراغ يكون على وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: الْفَرَاغ من الشّغل. وَالْآخر: بِمَعْنى الْقَصْد، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: قد تفرغت لأذاي ومكروهي أي أخذت فِي مكروهي وأذاي، وَيَقُول الرجل لغيره اصبر حَتَّى أتفرغ لَك أَي: أقصدك وأعمدك، فَمَعْنَى قَوْله: {سنفرغ لكم} أَي: سنقصد ونعمد بلمؤاخذة والمجازاة.
وَأنْشد الْمبرد فِي هَذَا الْمَعْنى قَول جرير:
(لمّا اتقى القينُ العراقيَ باسته ... فَرَغتُ إلى العبدِ المقيَّد في الحِجل) .
قَوْله تَعَالَى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: {فِيهِنَّ} وَإِنَّمَا ذكر الجنتين؟
وَالْجَوَاب: قَالَ بَعضهم: إِن الِاثْنَيْنِ يذكران بِلَفْظ الْجمع، فَيجوز أَن يرد الْكَلَام إِلَيْهِمَا بِلَفْظ الْجمع.
وَالأَصَح أَن قَوْله: {فِيهِنَّ} ينْصَرف إِلَى الْفرش، وَمَعْنَاهُ: عَلَيْهِنَّ، مثل قَوْله: {ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل} أَي: على جُذُوع.
قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : أَي كَرَامَة فِي ذكر الجنتين، وَهنا ذكر جنَّة وَاحِدَة؟
وَالْجَوَاب: أَن التنقل من بُسْتَان إِلَى بُسْتَان من الاستلذاذ والتنعم مَا لَا يخفى، فَذكر الجنتين للزِّيَادَة والكرامة وَالنعْمَة. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...