أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَكْذِيبَ نُوحٍ كَانَ أَبْلَغَ وَأَشَدَّ حَيْثُ دَعَاهُمْ قَرِيبًا مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَصَرُّوا عَلَى التَّكْذِيبِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبَ نُوحٍ فِي مَوَاضِعَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَكْذِيبَ غَيْرِ نُوحٍ صَرِيحًا وَإِنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا في الأعراف قال: (فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ) [الأعراف: 64] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ: (قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) [الشُّعَرَاءِ: 117] وَقَالَ: (إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) [نُوحٍ: 21] وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَكْذِيبِ قَوْمِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِ ذِكْرِ شُعَيْبٍ فَكَذَّبُوهُ وَقَالَ (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا) [الْأَعْرَافِ: 92] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِهِ: (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) [الْأَعْرَافِ: 66] لِأَنَّهُ دَعَا قومه زمانا مديدا.
وثانيهما: أَنَّ حِكَايَةَ عَادٍ مَذْكُورَةٌ هَاهُنَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا تَكْذِيبَهُمْ وَتَعْذِيبَهُمْ فَقَالَ: (كَذَّبَتْ عادٌ) كما قال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) وَلَمْ يَذْكُرْ دُعَاءَهُ عَلَيْهِمْ وَإِجَابَتَهُ كَمَا قَالَ فِي نُوحٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ تَعَالَى: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) قَبْلَ أَنْ بَيَّنَ الْعَذَابَ وَفِي حِكَايَةِ نُوحٍ بَيَّنَ الْعَذَابَ، ثُمَّ قَالَ: (فَكَيْفَ كانَ) فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
نَقُولُ: الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي حِكَايَةِ نُوحٍ مَذْكُورٌ هَاهُنَا، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) كَمَا قَالَ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ فِي حِكَايَةِ ثَمُودَ غَيْرَ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى فِي حِكَايَةِ عَادٍ فَكَيْفَ كانَ مَرَّتَيْنِ، الْمَرَّةُ الْأُولَى اسْتَفْهَمَ لِيُبَيِّنَ كَمَا يَقُولُ الْمُعَلِّمُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ الْمَسْأَلَةُ الْفُلَانِيَّةُ لِيَصِيرَ الْمَسْئُولُ سَائِلًا، فَيَقُولُ: كَيْفَ هِيَ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَذَا وَكَذَا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا قَالَ: (كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي) فَقَالَ