وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ: وَفَجَّرْنَا عُيُونَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ حَقِيقَةً لَا مُبَالَغَةَ فِيهِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَنْ يَجْعَلَ فِي الْأَرْضِ عُيُونًا ثَلَاثَةً، وَلَا يَصْلُحُ مَعَ هَذَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أَوْ مِيَاهًا، وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَعْنَى لَا فِي الْمُعْجِزَةِ، وَالْحِكْمَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) [الزُّمَرِ: 21] حَيْثُ لَا مُبَالَغَةَ فِيهِ، وَكَلَامُهُ لَا يُمَاثِلُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنِّي ذَكَرْتُهُ مَثَلًا: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) [النَّحْلِ: 60] .
(وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(15)
قَالَ هَاهُنَا (وَلَقَدْ تَرَكْناها) وَقَالَ فِي الْعَنْكَبُوتِ: (وَجَعَلْناها آيَةً) [الْعَنْكَبُوتِ: 15] قُلْنَا هُمَا وَإِنْ كَانَا فِي الْمَعْنَى وَاحِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ لَكِنَّ لَفْظَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلَى الْجَعْلِ وَالْفَرَاغِ بِالْأَيَّامِ فَكَأَنَّهَا هُنَا مَذْكُورَةٌ بِالتَّفْصِيلِ حَيْثُ بَيَّنَ الْإِمْطَارَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَفْجِيرَ الْأَرْضِ وَذَكَرَ السَّفِينَةَ بِقَوْلِهِ: (ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: 13] وَذَكَرَ جَرْيَهَا فَقَالَ: (تَرَكْناها) إِشَارَةً إِلَى تَمَامِ الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ وَقَالَ هُنَاكَ (وَجَعَلْناها إِشَارَةً إِلَى بَعْضِ ذَلِكَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كذلك فكيف قال هاهنا (وَحَمَلْناهُ) [القمر: 13] وَلَمْ يَقُلْ: وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ هُنَاكَ (فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) ؟