والمعنى: أي إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - منذر من حاد عن طريق الهدى، وسلك طريق الضلال والهوى بسيء العواقب في العاجل والاجل. وهو كمن قبله من الرسل الذين أرسلم ربهم لهداية خلقه، فكذبوهم، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحل بهم البوار والنكال كفاء تكذيبهم وجحودهم آلاء ربهم ونعمه الذي تترى عليهم. ونحو الآية: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أنا النذير العريان"، أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس شيئًا، وبادر إلى إنذار قومه، وجاءهم مسرعًا. وإما إشارة إلى القرآن، والنذير بمعنى الإنذار؛ أي: هذا القرآن الذي تشاهدونه إنذار كائن من قبيل الإنذارات المتقدمة التي سمعتم عاقبتها، كذا قال قتادة، أو إلى ما سبق في السورة؛ أي: هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك الغفاري، وقال أبو صالح: إنّ الإشارة بقوله: {هَذَا} إلى ما في صحف موسى وإبراهيم. والأول أولى. لأنه لما افتتح به أول السورة اختتم به - صلى الله عليه وسلم - .
57 -ولما ذكر إهلاك من تقدم ذكره، وذكر قوله: {هَذَا نَذِيرٌ} : ذكر أن الذي أنذر به قريب الوقوع، فقال: {زِفَتِ الْآزِفَةُ (57) } ؛ أي؛ قربت الساعة الموصوفة بالقرب في قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} ، وهي القيامة، ودنت. وسماها ازفة لقرب قيامها كما في قوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} أخبرهم بذلك ليستعدوا لها.
وفي"الروح": قوله: {زِفَتِ الْآزِفَةُ (57) } في إيراده عقيب المذكورات إشعار بأن تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة، تعظيمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كانوا معذبين في الدنيا في الجملة. واللام فيه للعهد، فلذا صح الإخبار بدنوها, ولو كانت للجنس لما صح؛ لأنه لا فائدة في الإخبار بقرب آزفة ما.
فَإِنْ قُلْتَ: الإخبار بقرب الآزفة المعهودة لا فائدة فيه أيضًا؟
قلتُ: فيه فائدة، وهو التأكيد، وتقرير الإنذار.