وقد كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه؛ ويمشي به إلى نوح، ويحذره منه، ويقول: يا بني إن أبي مشى بي إلى هذا الرجل، وأنا مثلك يومئذٍ، ويقول: فإياك أن تصدقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه، لا يتأثر من دعوة نوح له. وكانوا أطغى؛ أي: أكثر طغيانًا وتمردًا على الله، وأكثر تجاوزًا للحد؛ لأنهم سمعوا المواعظ، وطال عليهم الأمد، ولم يرتدعوا، حتى دعا عليهم نبيهم بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} .
53 -وقوله: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ} منصوب عطفًا على {عَادًا} ؛ أي: وأنّه أهلك المؤتفكة، أي: قرى قوم لوط عليه السلام. سميت مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها؛ أي: انقلبت بهم. وقيل: هو منصوب بقوله: {أَهْوَى} ؛ أي: أسقطها الله إلى الأرض مقلوبة بعد أن رفعها على جناح جبريل إلى السماء. وقال الزجّاج: ألقاها في الهاوية.
54 - {فَغَشَّاهَا} ، أي: فغشى الله سبحانه المؤتفكة، وغطاها، وألبسها {مَا غَشَّى} ؛ أي؛ ما غشاها؛ أي: ما ألبسها من فنون العذاب، والحجارة الذي وقعت عليها. وفي هذه العبارة من التهويل والتفظيع ما لا غاية وراءه.
وقوله: {مَا غَشَّى} مفعول ثان إن قلنا: إن التضعيف للتعدية، أي: ألبس الله سبحانه المؤتفكة ما ألبسها إياه من العذاب كالحجارة المنضودة المسوّمة، فمفعولا الفعل الأول مذكوران، والثاني محذوفان. وإن قلنا: إنه للمبالغة والتكثير هو فاعل كقوله: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} .
والمعنى: وأهلك الله سبحانه قوم لوط بانقلاب قريتهم عليهم، وجعل عاليها سافلها، ثم أمطر علبهم حجارة من سجيل منضود، كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) } . وهذا ما عناه سبحانه بقوله: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) } .
خلاصة ما هنا: وجملة ما ذكره سبحانه مما تضمنته صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام أربعة عشر:
1 -أن لا يؤاخذ أمرؤ بذنب غيره.
2 -أن لا يثاب أمرؤ إلا بعمله.
3 -أن العامل يرى عمله في ميزانه خيرًا كان أو شرًّا.
4 -أنه يجازى عليه الجزاء الأوفى، فتضاعف له حسناته إلى سبع مائة ضعف ويجازى بمثل سيئاته.