وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الغيبة؟ قال:"ذِكْرُكَ أخاك بما يَكره"، قال: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول قال:"إِن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته ، وإِن لم يكن فيه فقد بهتَّه".
ثم ضَرَبَ اللهُ للغِيبة مثلاً فقال: {أيُحِبُّ أحدُكم أن يأكل لحم أخيه مَيْتاً} وقرأ نافع"ميّتاً"بالتشديد.
قال الزجاج: وبيانه أن ذِكرك بسوءٍ مَنْ لم يَحْضُر ، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يُحِسُّ بذلك.
قال القاضي أبو يعلى: وهذا تأكيد لتحريم الغيبة ، لأن أكل لحم المسلم محظور ، ولأن النُّفوس تَعافُه من طريق الطَّبع ، فينبغي أن تكون الغِيبة بمنزلته في الكراهة.
قوله تعالى: {فكرِهتموه} وقرأ الضحاك ، وعاصم الجحدري {فكُرّهتموه} برفع الكاف وتشديد الراء.
قال الفراء: أي: وقد كرهتموه فلا تفعلوه ، ومن قرأ"فكُرّهتموه"أي: فقد بُغِّض إِليكم ، والمعنى واحد.
قال الزجاج: والمعنى: كما تكرهون أكل لحمه ميتاً ، فكذلك تجنَّبوا ذِكْره بالسُّوء غائباً.
قوله تعالى: {واتَّقوا الله} أي: في الغِيبة {إِن الله توّابٌ} على من تاب {رحيمٌ} به.
قوله تعالى: {يا أيُّها النَّاس إِنّا خلقناكم من ذكر وأنثى} في سبب نزولها ثلاثة أقوال.
أحدها: نزلت في ثابت بن قيس وقولِه في الرجل الذي لم يفسح له: أنت ابن فلانة ، وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله: {لا يسخرْ قومٌ من قوم} [الحجرات: 11] .
والثاني: أنه لمّا كان يوم الفتح أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فصَعِد على ظهر الكعبة فأذَّن ، وأراد أن يُذِلَّ المشركين بذلك ، فلما أذَّن قال عتاب بن أَسِيد: الحمدُ لله الذي قبض أسيداً قبل اليوم ، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسودِ مؤذِّناً؟! وقال سهيل بن عمرو: إن يَكْرَهِ اللهُ شيئاً يغيِّره.