قوله تعالى: {إِن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبيَّنوا} نزلت في الوليد بن عقبة ، بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلى بني المصطلق ليِقَبْضِ صدقاتهم ، وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فسار بعضَ الطريق ، ثم خاف فرجع فقال: إِنهم قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي ، فصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم البَعْثَ إِليهم ، فنزلت هذه الآية.
وقد ذكرتُ القصد في كتاب"المُغني"وفي"الحدائق"مستوفاة ، وذكرتُ معنى {فتبيَّنوا} في سورة [النساء: 94] ، والنَّبأ: الخبر ، و"أنْ"بمعنى"لئلاً"، والجهالة هاهنا: أن يجهل حال القوم ، {فتُصْبِحوا على ما فَعَلْتم} من إِصابتهم بالخطأِ {نادمين} .
ثم خوَّفهم فقال: {واعْلَموا أن فيكم رسولَ اللهَ} أي: إِن كَذَبتموه أَخبره اللهُ فافتُضِحْتُم ، ثم قال: {لو يُطِيعُكم في كثيرٍ من الأمر} أي: ممّا تخبرونه فيه بالباطل {لَعَنِتُّم} أي: لَوَقَعْتُم في عَنَتٍ.
قال ابن قتيبة: وهو الضَّرر والفساد.
وقال غيره: هو الإِثم والهلاك وذلك أن المسلمين لمّا سَمِعوا أن أولئك القوم قد كَفَروا قالوا: ابْعَثْ إِليهم يا رسولَ الله واغْزُهم واقْتُلهم ؛ ثم خاطب المؤمنين فقال: {ولكنَّ الله حَبَّب إِليكم الإِيمان} إِلى قوله: {والعِصيانَ} ، ثم عاد إِلى الخبر عنهم فقال: {أولئك هم الرّاشدون} أي: المهتدون إِلى محاسن الأُمور ، {فَضْلاً من الله} قال الزجاج: المعنى: ففعل بكم ذلك فضلاً ، أي: للفضل والنّعمة.
قوله تعالى: {وإِنْ طائفتان ....} الآية ، في سبب نزولها قولان.
أحدهما: ما روى البخاري ومسلم في"الصحيحين"من حديث أنس بن مالك قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أتيتَ عبدَ الله ابن أُبيٍّ ، فركب حماراً وانطلق معه المسلمون يمشون ، فلمّا أتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: إِليكَ عنِّي ، فوالله لقد آذاني نتن حمارك.