والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريَّة إِلى بني العنبر ، وأمَّر عليهم عيينة بن حصن الفزاري ، فلما عَلِموا بذلك هربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عيينة ، فجاء رجالُهم يَفْدون الذَّراري ، فقَدِموا وقت الظهيرة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائل ، فجعلوا: ينادون يا محمد اخْرُج إِلينا ، حتى أيقظوه ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس.
والثالث: أن ناساً من العرب قال بعضهم لبعض: انطلِقوا بنا إِلى هذا الرجُل ، فإن يكن نبيّاً نكن أسعد الناس به ، وإِن يكن ملِكاً نعش في جناحه ، فجاؤوا ، فجعلوا ينادون: يا محمد ، يا محمد ، فنزلت هذه الآية ، [قاله زيد بن أرقم] .
فأمّا"الحجرات"فقرأ أُبيُّ بن كعب ، وعائشة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، ومجاهد وأبو العالية ، وابن يعمر ، [وأبو جعفر وشيبة] : بفتح الجيم ؛ وأسكنها أبو رزين ، وسعيد بن المسيب ، وابن أبي عبلة ؛ وضمها الباقون.
قال الفراء: وجه الكلام أن تُضمَّ الحاء والجيم ، وبعض العرب يقول: الحُجُرات والرُّكبات ، وربما خفَّفوا فقالوا:"الحُجْرات"، والتخفيف في تميم ، والتثقيل في أهل الحجاز.
وقال ابن قتيبة.
واحد الحُجُرات حُجرة ، مثل ظُلْمة وظُلُمات.
قال المفسرون: وإنما نادَوا من وراء الحُجرات ، لأنهم لم يعلموا في أيّ الحُجَر رسولُ الله.
قوله تعالى: {ولو أنَّهم صَبَروا حتى تخْرُجَ إِليهم لكان خيراً لهم} قال الزجاج: أي: لكان الصَّبر خيراً لهم.
وفي وجه كونه خيراً لهم قولان.
أحدهما: لكان خيراً لهم فيما قَدِموا له من فداء ذراريهم ، فلو صَبَروا خلَّى سبيلهم بغير فداءٍ ، قاله مقاتل.
والثاني: لكان أحسنَ لآدابهم في طاعة الله ورسوله ، ذكره الماوردي.
قوله تعالى: {واللهُ غفورٌ رحيمٌ} أي: لمن تاب منهم.