لما نأتي إلى الآية الثانية (بألسنتهم) الصورة إختلفت هؤلاء الذين يقولون بألسنتهم هم من الأعراب ليسوا من المنافقين لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما ذهب للعمرة إستنفر المسلمين وإستنفر الأعراب أن يأتوا معه تحسّباً لحدوث قتال وساق الهديَ تحسباً. والأعراب كانوا خارج المدينة ومسلمين فإستنفرهم - صلى الله عليه وسلم - ليأتوا معه فهؤلاء كأنهم تخوّفوا فتخلّفوا. لما تخلّفوا وعقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - المعاهدة ورجع ولم يلق شراً بل والمعاهدة كانت في صالح المسلمين في حقيقتها فجاءوا مخذولين أذلاّء ويرجون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم. بماذا إعتذروا؟ إعتذروا (شغلتنا أموالنا) هم لم يكن عندهم مشاغل فهؤلاء لم يكونوا يتكلمون من علو وإنما كانوا يتكلمون بإنخفاض وبنوع من المذلة يعتذرون للرسول - صلى الله عليه وسلم - (إستغفر لنا) بخلاف أولئك. أولئك كانوا يتكلمون من علو وتكبّر. هؤلاء لم تكن لديهم صورة تكبّر وإنما أعراب تخلّفوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو قطعاً كذب والعلماء يقولون: حيث وردت يقولون بألسنتهم أو بأفواههم فهو خلاف الحقيقة هم كانوا يكذبون لكن يكذبون بتواضع ويكذبون بذلة بخلاف أولئك يكذبون بتكبر فالذي كان يكذب بتكبّر قال (بأفواههم) لكن هؤلاء المستضعفين جاءوا مخذولين (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) يطلبون الإستغفار أما أولئك فلم يطلبوا إستغفاراً ولا طلبوا شيئاً. هنا لا يناسب الأفواه لأن الأفواه تأتي مع التكبّر فلو عكس يختل المعنى. لو قال للمنافقين بألسنتهم يضعف الحال ولا يصور حالهم هم كانوا متكبرين فقال بأفواههم وليس بألسنتهم. وهؤلاء كانوا معتذرين فلا تتناسب بأفواههم. الصورة لا تتناسب فكل كلمة في القرآن في مكانها.
آية (12) :
* (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا(27) الأعراف) ماذا يقصد بالسوءة؟ وما وجه الشبه بين هذه السوءة وظن السوء في سورة الفتح (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا(12 ) ) ؟
(د. فاضل السامرائي)