وهنا يحكى القرآن رد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيقول: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ ..
أي: قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم لقومه الذين أصروا على تقليد آبائهم في الكفر والضلال:
أتتبعون آباءكم وتقتدون بهم في الكفر، حتى ولو جئتكم بدين أهدى وأصوب مما كان عليه آباؤكم؟
وقوله: - تعالى -: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ ... قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم.
وقرأ الجمهور قل أولو جئتكم ... على أن الأمر للرسول صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله - تعالى -: قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ أي: قال المترفون في الرد على رسلهم: إنا بما أرسلتم به من الهدى والدعوة إلى الدين الحق كافرون، وباقون على الدين الذي كان عليه آباؤنا.
وقوله - سبحانه -: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ بيان للعاقبة السيئة التي حاقت بهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتقليدهم لآبائهم.
أي: قالوا للرسل هذا القول الذي يدل على إيثارهم الغي على الرشد، فانتقمنا منهم.
بأن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة. ومنهم
من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا.
فَانْظُرْ - أيها العاقل - وتأمل كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لقد كانت عاقبتهم أن دمرناهم تدميرا.
هذا، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات القرآنية التي حكت الأقوال الباطلة التي تفوه بها المشركون، وردت عليهم ردا منطقيا حكيما يهدمها من قواعدها.
لقد ذكرت - أولا - أنهم جعلوا لله - تعالى - من عباده جزءا ... ثم ردت عليهم بأنهم جاحدون لنعم الله، وأنهم لو كانوا يعقلون لما حكموا هذا الحكم الذي يدل على جهلهم وغفلتهم، لأنه لو كان الأمر كما ذكروا - على سبيل الفرض والتقدير - لما اختار - سبحانه - لذاته جنس البنات، وأعطاهم البنين ..