ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة ، لأنه لم يكن له ذلك ديناً علينا ولا واجباً مستحقاً يستحقه علينا ، بل إن أعطينا ذلك ففضل ، وإن لم نعطه فعدل. وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق ، قبل أن يخلق الخلق ، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة ، فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأقام الحجة على الجميع ، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبساً فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك.
ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه ، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي ، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر ، وصرف قدرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه ، من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء.
فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا ، طائعين مختارين ، غير مجبورين ، ولا مقهورين {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الإنسان: 30] . {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149] .
وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء.
ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية ، كحركة المرتعش فرقاً ضرورياً ، لا ينكره عاقل.
وأنك لو ضربت من يدعى أن الخلق مجبورون ، وفقأت عينه مثلاً ، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر ، فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك ، بل هو فعل الله ، وأنا لا دخل فيه فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك.
بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلاً:
إن هذا بإرادتك ومشيئتك.