كَانَ بعض النجارين يَبِيع الْخشب وَكَانَ عِنْده قِطْعَة أبنوس ملقاة تَحت الْخشب فاشتريت مِنْهُ فَدخل دَار الْملك بعد مُدَّة فَإِذا بهَا قد جعلت سريرا للْملك فَوقف مُتَعَجِّبا وَقَالَ لقد كنت لَا اعبأ بِهَذِهِ فَكيف وصلت إِلَى هَذَا الْمقَام فَهَتَفَ بِهِ لِسَان الْمُفْهم نَائِبا عَنْهَا كم صبرت على ضرب الفوس وَنشر المناشير حَتَّى بلغت إِلَى هَذَا الْمقَام
(جِئْت أَشْكُو فاستوقفتني إِلَى أَن ... كَلَّمتنِي من قبل أَن كَلَّمتنِي)
(وفدتني من السقام وَلَكِن ... انفدتني هما إِلَى أَن فدتني)
لمن أصفى واصف أَفِي عزمك اتباعي فاقف اللَّيْل يضج من طول نومك وَالنَّهَار يستغيث من قبح فعلك
(يَا أَيهَا الراقد كم ترقد ... قُم يَا حَبِيبِي قد دنا الْموعد)
(وَخذ من اللَّيْل وساعاته ... حظا إِذا مَا هجع الرقد)
(من نَام حَتَّى يَنْقَضِي ليله ... لم يبلغ الْمنزل أَو يجْهد)
(قل لِذَوي الْأَلْبَاب أهل التقى ... قنطرة الأَرْض لكم موعد)
(فصل حديث ابن الجوزي عن نفسه)
تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ.
فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات.
فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات.
فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال واأسفا على ما جنيت.
وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفاً على فوات ما كان يلتذ به.
فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جنْيَ ما غرس ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم.
هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب.
وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:
اهتز عند تمني وصلها طريا ... ورب أمنية أحلى من الظفر
ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه.
ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم. وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم.
فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك.
فقلت له: أيها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف.