والحاصل: أن الكافر كالعبد الأول، في كونه حيران متفرق البال؛ لأنه يعبد آلهة مختلفة؛ أي: أصنامًا لا يجيء منها خير، بل يكون سببًا لوقوعه في أسفل سافلين، كما أن العبد يخدم ملاكا متعاسرين، مختلفي الأهوية، لا يصل إليه منهم منفعة أصلًا. والمؤمن كالعبد الثاني، في انضباط أحواله واجتماع باله، حيث يعبد ربًا واحدًا يوصله إلى أعلى عليين، كما أن العبد يخدم سيدًا واحدًا يرضى عنه، ويصل إليه بالعطاء الجزيل.
وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والزهري، والحسن بخلاف عنه، والجحدري، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: {سالما} بالألف وكسر اللام، اسم فاعل من سلم؛ أي: خالصًا عن الشركة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ الأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو رجاء، وطلحة، والحسن: بخلاف عنه، وباقي السبعة {سلما} بفتح السين وسكون اللام، وهذه أيضًا مصدر وصف به، مبالغة في الخلوص من الشركة، وقرئ {ورجل سالم} برفعهما، وقال الزمخشري؛ أي: وهناك رجل سالم لرجل، انتهى. فجعل الخبر {هناك} ، وقرئ {هل يستويان مثلين} ، فطابق حال الرجلين، ذكره أبو حيان.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ} حيث خصمهم، كما قال مقاتل؛ أي: قطعهم بالخصومة، وغلبهم، وأظهر الحجة عليهم، ببيان عدم الاستواء بطريق ضرب المثل، وقال الشوكاني: وجملة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} تقرير لما قبلها، من نفي الاستواء، وللإيذان للموحدين، بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة، المستحقة لتخصيص الحمد به.
ثم أضرب سبحانه، عن نفي الاستواء، المفهوم من الاستفهام الإنكاري، إلى بيان أن أكثر الناس، وهم المشركون، لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره، فيبقون في ورطة الشرك، والضلال من فرط جهلهم، فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} وهم المشركون {لا يَعْلَمُونَ} عدم استوائهما مع ظهوره، ووضوحه لفرط جهالتهم، أو لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره، فيشركوا به سواه.