29 -ثم أورد سبحانه مثلًا من تلك الأمثال، فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} ؛ أي: بيّن الله تمثيل حالةٍ عجيبة، بأخرى مثلها، ثم بيّن المثل، فقال: {رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ} والمراد بضرب المثل هنا: تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها، كما مر في أوائل سورة يس. و {مَثَلًا} مفعول ثان لضرب، و {رَجُلًا} مفعوله الأول، أخر عن الثاني للتشويق إليه، وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل. و {فِيهِ} خبر مقدم لقوله: {شُرَكاءُ} ، والجملة في حيز النصب على الوصفية لرجلا، ومعنى {مُتَشاكِسُونَ} ؛ أي: مختلفون عسروا الأخلاق سيئوها. والمعنى: جعل الله تعالى للمشرك مثلا، حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته، عبدًا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه، ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحسره، وتوزع قلبه. {وَرَجُلًا} ؛ أي: وجعل للموحد مثلا رجلًا {سَلَمًا} ؛ أي: خالصًا {لِرَجُلٍ} فردٍ وسيدٍ واحدٍ، ليس لغيره عليه سبيل أصلًا، فالتنكير في كل منهما للإفراد؛ أي: فردًا من الأشخاص لفرد من الأشخاص، والسلم: بفتحتين وكقتل وفسق مصدر من سلم له كذا؛ أي: خلص له واختص به كما سيأتي، وُصف به مبالغةً كرجل عدل؛ أي: سالمًا أو ذو سلامة واختصاص به، والرجل ذكر من بني آدم جاوز حد الصغر، وتخصيص الرجل لأنه أنطق، وأفطن وأعرف لما يجرى عليه من الضر والنفع، لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.
والاستفهام في قوله: {هَلْ يَسْتَوِيانِ} للإنكار؛ أي: ما يستوي الرجلان المذكوران المشترك والمختص {مَثَلًا} ؛ أي: من جهة الصفة والحال، نصب على التمييز، والوحدة حيث لم يقل: مثلين لبيان الجنس وإرادته، فيعم؛ أي: هل يستوي حالهما وصفاتهما، يعني: لا يستويان.