وهو القائم على كل نفس بما كسبت أبدًا وأمدًا، ما تناهى تأخر أو تقدم كل
بأمره وقدره ومشيئته وإقداره وعونه يعملون.
(فصل)
كان معهود الولد على وجهين: فولد منسوب إلى أبويه بنوة وولادة ورحمًا،
فهذا ليس له في الوجود وجود، ولا في الإمكان تمكن، ولا له في العقل مساغ
بوجه من الوجوه، وولد بمعنى التبني والاتخاذ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم
يتبنون ويتخذون، كما قالت امرأة فرعون يوم التقطت موسى - عليه السلام -:(قُرَّتُ عَيْنٍ لِي
وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا).
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تبنى زيد بن حارثة - رحمه الله - وأسامة ابنه، فكانوا
يدعونه ابن محمد وابن رسول الله حتى أنزل الله في ذلك قوله:(ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ
هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأسامة:"أنت أخونا ومولانا".
وكان المؤمنون يقولون له:"حبُّ رسول الله"فلا يبعد أن تكون هذه العبارة
جائزة في الكتب قبلنا، ولما أعضل بهم الداء وألحدوا بذلك عن سواء القصد الذي
هو الاصطفاء إلى النبوة والولادة أضلهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم ولعنهم،
وسد السبيل عن العبارة عن ذلك، وكشف معنى الاصطفاء، وأظهر لفظ الولاية
ونسخ ذلك بهذا، وليس يبلغ الاصطفاء إلى شركه في إلهية، ولا يتلبس معنى الولاية
بالنبوة ألبتة، سبحانه وله الحمد كله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) ، وأنى
تكون له صاحبة ولم يكن له كفوًا أحد، وأنى يكون له كفؤ ولم يكن له ند ولا مثل
ولا شبيه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في فقد ولا وجود ولا في الوهم،
لذلك ختم الآية بقوله: (سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(4) .
قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ...(6) . فذكره خلق
النفس الواحدة وخلقه منها زوجها خبر قائم بنفسه وإعلام يعلم ودلالة دالة على