وقال ابن عطية: قال المفسرون في تنزيل الكتاب هو القرآن ، ويظهر لي أنه اسم عام لجميع ما تنزل من عند الله من الكتب ، وكأنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة إنما تنزيلها من الله ، وجعل هذا الإخبار تقدمة وتوطئة لقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب} ، والعزيز في قدرته ، الحكيم في ابتداعه.
والكتاب الثاني هو القرآن ، لا يحتمل غير ذلك.
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن ، وعلى الثاني أنه السورة. انتهى.
وبالحق في موضع الحال ، أي ملتبساً بالحق ، وهو الصدق الثابت فيما أودعناه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد والتكاليف ، فهذا كله حق وصدق يجب اعتقاده والعمل به ، أو يكون بالحق: بالدليل على أنه من عند الله ، وهو عجز الفصحاء عن معارضته.
وقال ابن عطية: أي متضمناً الحق فيه وفي أحكامه وفي أخباره ، أو بمعنى الاستحقاق وشمول المنفعة للعالم في هدايتهم ودعوتهم إلى الله.
انتهى ملخصاً.
ولما امتن تعالى على رسوله بإنزال الكتاب عليه بالحق ، وكان الحق إخلاص العبادة لله ، أمره تعالى بعبادته فقال: {فاعبد الله} ، وكأن هذا الأمر ناشئ عن إنزال الكتاب ، فالفاء فيه للربط ، كما تقول: أحسن إليك زيد فاشكره.
{مخلصاً} : أي ممحضاً ، {له الدين} : من الشرك والرياء وسائر ما يفسده.
وقرأ الجمهور: الدين بالنصب.
وقرأ ابن أبي عبلة: بالرفع فاعلاً بمخلصاً ، والراجع لذي الحال محذوف على رأي البصريين ، أي الدين منك ، أو يكون أل عوضاً من الضمير ، أي دينك.
وقال الزمخشري: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام ، كقوله تعالى: {وأخلصوا دينهم لله} حتى يطابق قوله: {ألا لله الدين الخالص} ، والخالص والمخلص واحد ، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي ، كقولهم: شعر شاعر.