أولاً: يُلفت أنظارنا هنا في مسألة عَدِّ نعمة الله استخدام (إن) الدالة على الشك، لأن عَدَّ نعمة الله مسألة لن تكون ولن تحدث؛ لأن الإقبال على عَدِّ الشيء ناتج عن إمكانية ذلك والقدرة عليه، أما نعمة الله فمع تقدم علم الإحصاء ودخوله في شتى المجالات، إلا أن نعمة الله فوق مظنة العَدِّ لكثرتها، كما أننا لا نفكر أبداً في عَدِّ رمال الصحراء مثلاً.
فمعنى
{وَإِن تَعُدُّواْ} [إبراهيم: 34] يعني: على فرض أنكم ستُقبِلون على عَدِّها
{لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] .
ثانياً: كلمة (نعمة) جاءت هكذا بصيغة المفرد، والعَدُّ لا يكون إلا للجمع الذي له أجزاء تعدّ: واحد، اثنان، ثلاث، أربع .. إلخ فكيف تُعَد النعمة وهي واحدة؟ قالوا: نعم هي في ظاهرها نعمة واحدة لكن مطمور فيها حين تتأملها نِعَم كثيرة، فالتفاحة مثلاً ترى في الظاهر أنها نعمة واحدة، لكن حين تُحللها تجد فيها لوناً وشكلاً وطَعْماً ومذاقاً وعناصر مكونة ومواد غذائية متعددة، كلها نِعْم من الله.
ثالثاً: حين تتأمل عَجُزَ الآيتين - وهو مرادنا من الكلام - تجد في الآية الأولى {إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] أي: جاحد لنعمة الله، منكر لها، غافل عنها، مُقصِّر في شُكرها. فهي إذن تتحدث عن حال المنعم من المنعَم عليه، وكيف أنه قابل النعمة بالكفران، ولو جازاه المنعم بما يستحق لحرمه النعمة، لكن يأتي عَجُزُ الآية الأخرى:
{إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18] يعني: يغفر لكم جحودكم للنعمة ونكرانكم للجميل؛ ثم بعد المغفرة الرحمة. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...