وقوله: {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] العزيز هو: الغني عن الخَلْق الذي لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ} [الزمر: 1] لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئاً، لأنني الغني عنكم، فأنا العزيز عن خَلْقي.
لذلك في مسألة الشرك بالله قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] .
وقال في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك به معي غيره تركته وشركه".
يعني: أنا متنازل لهذا الشريك عن العمل كله، لأني عزيز عن خَلْقي، لا مصلحة لي من طاعتهم، إنما المصلحة تعود عليهم هم. إذن: فربُّك خلقك وأنزل عليك ما يصلحك، فإن أطعْتَهُ أثابك، لأن لله تعالى صفات، وهذه الصفات تحتاج إلى متعلقات، فحين تؤدي هذه المتعلقات لله يجازيك عليها.
إذن: قُلْ باسم الله واعلم أنه عزيز عن هذه، وتذكَّر قوله سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كلُّ واحد مسألته فأعطيتُها له ما نقص ذلك من مُلكي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدْخِلَ في البحر، ذلك أني جَوَادٌ ماجد واجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقولَ له: كُنْ فيكون".
فالحق سبحانه هو العزيز الذي يَغْلِب ولا يُغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على مَنْ يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكباراً بلا رصيد، ومن ذلك قول المنافقين.
{لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ..} [المنافقون: 8] قال الله لهم: صدقتم في هذه المقولة: ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، لكن مَن الأعز؟ ومن الأذل؟ ثم حكم الحق سبحانه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين:
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] .