قَالَ الْحَسَنُ هُمْ بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ النَّارِ لَا يَدْرُونَ مَا فَوْقَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَهُمْ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [الْعَنْكَبُوتِ: 55] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) [الْأَعْرَافِ: 41] .
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ(17)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُمْ مَا عَبَدُوا الشَّيْطَانَ وَإِنَّمَا عَبَدُوا الصَّنَمَ؟
قُلْنَا: الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ لَمَّا كَانَ هُوَ الشَّيْطَانَ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى عِبَادَةِ الصَّنَمِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ الصَّنَمُ وَسُمِّيَتْ طَوَاغِيتَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهَا، وَالطُّغَاةُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الطُّغْيَانُ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهَا وَالْقُرْبِ مِنْهَا، وُصِفَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَقِيلَ كُلُّ مَا يُعْبَدُ وَيُطَاعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ طَاغُوتٌ.
* اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (لَهُمُ الْبُشْرى) فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدَاتِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ فَقَوْلُهُ: (لَهُمُ الْبُشْرى أَيْ لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بِشَارَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا إِذَا اجْتَنَبَ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَقْبَلَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي لَفْظِ الْبُشْرَى مُفِيدٌ لِلْمَاهِيَّةِ فَيُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ بِتَمَامِهَا لِهَؤُلَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا نَصِيبٌ لِغَيْرِهِمْ.