«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى التَّكْرِيرِ فِي قَوْلِهِ: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) وَقَوْلِهِ: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) ؟
قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ بِالْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ أُمِرَ
بأن لا يعبد أحدا غير الله، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ) يُفِيدُ الْحَصْرَ يَعْنِي اللَّهَ أَعْبُدُ وَلَا أَعْبُدُ أَحَدًا سِوَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْدُ: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ) قَالَ بَعْدَهُ: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لَيْسَ أَمْرًا بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ الزَّجْرُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَمَّا بَلَغَ الْبَيَانُ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى فَبَعْدَ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَعْرَفُ بِأَنْفُسِكُمْ.
(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ(16)
«فَإِنْ قِيلَ» : الظُّلَلُ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ فَكَيْفَ سُمِّيَ مَا تَحْتَهُ بِالظُّلَلِ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِ: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشُّورَى: 40] .
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَكُونُ تَحْتَهُ يَكُونُ ظُلَّةً لِإِنْسَانٍ آخَرَ تَحْتَهُ لِأَنَّ النَّارَ دَرَكَاتٌ كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الظُّلَّةَ التَّحْتَانِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلظُّلَّةِ الْفَوْقَانِيَّةِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ وَالْإِيذَاءِ، أُطْلِقَ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِأَجْلِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ.