أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ كَمَا تَجِيءُ لِبَيَانِ كَوْنِ إِحْدَى الْوَاقِعَتَيْنِ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الثَّانِيَةِ، فَكَذَلِكَ تَجِيءُ لِبَيَانِ تَأَخُّرِ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ بَلَغَنِي مَا صَنَعْتَ الْيَوْمَ، ثُمَّ مَا صَنَعْتَ أَمْسِ كَانَ أَعْجَبَ، وَيَقُولُ أَيْضًا قَدْ أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا، ثُمَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ أَكْثَرُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ خُلِقَتْ وَحْدَهَا ثُمَّ جُعِلَ مِنْهَا زَوْجُهَا.
الثَّالِثُ: أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ حَوَّاءَ.
(أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ(9)
إنَّهُ قَالَ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ فَمَا أَضَافَ الْحَذَرَ إِلَى نَفْسِهِ، وَفِي مَقَامِ الرَّجَاءِ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَانِبَ الرَّجَاءِ أَكْمَلُ وَأَلْيَقُ بِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
* (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)
يَعْنِي هَذَا التَّفَاوُتُ الْعَظِيمُ الْحَاصِلُ بَيْنَ العلماء والجهال لا يعرفه أيضا إلا أولوا الْأَلْبَابِ.
قِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ نَرَى الْعُلَمَاءَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَلَا نَرَى الْمُلُوكَ مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ أَبْوَابِ الْعُلَمَاءِ؟
فَأَجَابَ الْعَالِمُ بِأَنَّ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلِمُوا مَا فِي الْمَالِ مِنَ الْمَنَافِعِ فَطَلَبُوهُ، وَالْجُهَّالُ لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِي الْعِلْمِ مِنَ المنافع فلا جرم تركوه.
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)