وَثَالِثُهَا: أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَبَيْنَ الْبِشَارَةِ فَالْبِشَارَةُ هُوَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ كُلُّ مَا سَمِعُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الثَّوَابِ وَالْخَيْرِ إِذَا سَمِعُوهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِي الْقَبْرِ فَذَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِخْبَارًا، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْبِشَارَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ الْإِخْبَارُ بِحُصُولِ أَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنَ السَّعَادَاتِ فَوْقَ مَا عَرَفُوهَا وَسَمِعُوهَا فِي الدُّنْيَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْفَوْزَ بِهَا، قَالَ تَعَالَى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السَّجْدَةِ: 17]
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُخْبِرَ بِقَوْلِهِ: (لَهُمُ الْبُشْرى) هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَعْظَمُ الْعُظَمَاءِ وَأَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ وَالشَّرْطُ الْمُعْتَبَرُ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ شَرْطٌ عَظِيمٌ وَهُوَ الِاجْتِنَابُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْبَالُ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ إِذَا ذَكَرَ شَرْطًا عَظِيمًا.
ثُمَّ قَالَ لِمَنْ أَتَى بِذَلِكَ الشَّرْطِ الْعَظِيمِ أَبْشِرْ فَهَذِهِ الْبِشَارَةُ الصَّادِرَةُ مِنَ السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّرْطِ الْعَظِيمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ قَدْ بَلَغَ فِي الْكَمَالِ وَالرِّفْعَةِ إِلَى حَيْثُ لَا يَصِلُ إِلَى شَرْحِهَا الْعُقُولُ وَالْأَفْكَارُ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَهُمُ الْبُشْرى يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ الْكَمَالِ وَالسَّعَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)