{قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي} قدم الاستغفار على طلب الملك ، لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدّم الأولى والاهمّ ، فإن قيل: لأي شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي ، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجاج أنه كان حسوداً؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه ، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره ، والآخر أنه طلب ذلك ليكون معجزة ، دلالة على نبوته {فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} معنى رخاء لينة طيبة ، وقيل: طائعة ، له ، وقد ذكرنا الجميع بين هذا وبين قوله {عَاصِفَةً} في [الأنبياء: 81] وحيث أصاب: أي حيث قصد وأراد {والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} الشياطين معطوف على الريح ، وكل بناء يدل على الشياطين أي سخرنا له الريح والشياطين من يبني منهم ومن يغوص في البحر {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد} أي آخرين من الجنّ موثقون في القيود والأغلال {هذا عَطَآؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ} الإشارة إلى الملك الذي أعطاه الله له ، والمعنى أن الله قال له: أعط من شئت وامنع من شئت ، وقيل: المعنى أمنن على من شئت من الجنّ بالإطلاق من القيود ، وأمسك من شئت منهم في القيود ، والأوّل أحسن وهو قول ابن عباس {بِغَيْرِ حِسَابٍ} يحتمل ثلاثة معان: أحدها أنه لا يحاسب في الآخرة على ما فعل ، والآخر بغير تضييق عليك في الملك ، والثالث بغير حساب ولا عدد بل خارج عن الحصر {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ} قد ذكر في قصة داود .