لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أنْ يستفتي القَوْمَ؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خَصْمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجدَ إلا أن يقولَ ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك؛ أنا راضٍ حكمك، ألم أقِفْ بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب.
أما لو جاء الكلام منك خبراً، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب؛ لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام {أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصافات: 149] هذا استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد.
لذلك يرد القرآن عليهم {أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} [الصافات: 149] كيف؟ مَن الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، فكيف تختارون لأنفسكم الجنسَ الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى البنات؟
كيف وأنتم إذا بُشِّر أحدكم بالأنثى ظلَّ وجهه مُسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سُوء ما بُشِّر به، ثم يفكر:
{أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل: 59] .
كلمة
{يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} [النحل: 59] يعني: حياً؛ لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أنْ يرى الوالدُ ولده وهو يموت، أو أنْ يخنقه بيده؛ لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا يراه.
وفي آية أخرى قال سبحانه:
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 17 - 18] يعني: أتجعلون لله مَنْ يُربَّى في النعمة والزينة، وهم البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمُّل المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قِسْمة ظالمة جائرة.
فقال سبحانه:
{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21 - 22] تأمل كلمة (ضيزى) ، والله لو كان في غير القرآن لكانَ ثقيلاً غيرَ مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعياً سلسبيلاً، لماذا؟ لأنه وُضِع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جَرْس يرنّ في الأذن.