ومثله في قوله تعالى: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} ، وقوله: {وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} ، وإلحاق هاء السكت في قوله:"ما هيه"في سورة القارعة قالوا: وقعد عدلت هذه الهاء مقاطع الفواصل في هذا السورة، وكان للحاقها في هذا الموضع أثر عظيم، والاعتراضات الواردة على هذا تقوم في زعمنا على إغفال الإدراك الدقيق الواعي لخصوصية الأساليب، التي يحرص القرآن فيها على هذا النغم، وربطاها بسياقها المعنوي، والشعوري، فهم يقولون مثلًا: إن الألف في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ، ليست لتناسب الآي بدليل قوله في السورة نفسها: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} ، وهو مخالف لما جاء في قوله في السورة نفسها: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} ، ولو كان القرآن يحرص على توافق الفواصل لقال: وهو يهدي السبيلا، وهذا الاعتراض الذي زعمت أنه مبني على غفلة بمقتضيات السياق ظل يعمل - لأنه كما ترى في ظاهره قوى - في نفوس كثير من الدارسين، وقد قالت باحثة في بيان القرآن في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ترد القول الذي يعلل الحذف برعاية الفاصلة.
"أما تعليل الحذف برعاية الفاصلة، فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي، وإنما الحذف لمقتضى معنى بلاغي يقوي به الأداء اللفظي دون أن يكون الزخرف الشكلي هو الأصل، ولو كان البيان القرآني"
يتعلق بمثل هذا لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سورة الضحى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
وليس في السورة كلها تاء فاصلة بل ليس فيها حرف التاء على الإطلاق، فلم يقل - تعالى - فخبر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة، ومن يتعلقون به"."