مشيراً إلى علوّ رتبته بأداة البعد وخطاب الكل، ولما كان الاستفهام الإنكاريّ التوبيخي في معنى النفي قال مؤكداً له مستغرقاً لكل ما يمكن منه ولو قلّ جدّاً: {مِن شَيْءٍ} أي: يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه، ولما لزمهم قطعاً أن يقولوا: لا وعزتك ما لهم ولا لأحد منهم فعل شيء من ذلك، قال تعالى معرضاً عنهم منزهاً لنفسه الشريفة: {سُبْحَانَهُ} أي: تنزه تنزهاً لا يحيط به الوصف من أن يكون محتاجاً إلى شريك {وَتَعَالَى} أي: علوّاً لا تصل إليه العقول {عَمَّا يُشْرِكُونَ} في أن يفعلوا شيئاً من ذلك.
(تنبيه)
يجوز في خبر الجلالة الكريمة وجهان: أظهرهما: أنه الموصول بعدها، والثاني: أنه الجملة من قوله تعالى {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ} والموصول صفة والراجع من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله، ومن الأولى والثانية يفيدان شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، فكل منهما مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ}
أي: النقص في جميع ما ينفع الخلق {فِي الْبَرِّ} بالقحط والخوف وقلة المطر ونحو ذلك {وَالْبَحْرِ} بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من كل ما كان يحصل منه. وقلة المطر كما تؤثر في البرّ تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف من اللؤلؤ، وذلك لأنّ الصدف إذا جاء المطر يرتفع على وجه الماء وينفتح فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤاً وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دوابّ البحر.
وقيل: المراد بالبرّ البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: العرب تسمي المطر بحراً تقول: أجدب البرّ وانقطعت مادّة البحر، ثم بين سببه بقوله تعالى: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} أي: بسبب شؤم ذنوبهم ومعاصيهم كقوله تعالى {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (الشورى: 30)