«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَنْ يُؤْمِنُ وَيَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقِسْمَيْنِ؟
فَنَقُولُ لَهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمُنْزِلَتَيْنِ لَا عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ هُوَ فِي الْأَوَّلِ فِي الْعَذَابِ وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ الْمُحْضَرِينَ دَوَامَ الْحُضُورِ، وَفِي الْآخِرَةِ هُوَ فِي الرِّيَاضِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَحْبُورِينَ غَايَةَ الْحُبُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْوَعْدِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ فِي الْأَوَّلِ (فِي رَوْضَةٍ) عَلَى التَّنْكِيرِ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ (فِي الْعَذَابِ) عَلَى التَّعْرِيفِ، لِتَعْظِيمِ الرَّوْضَةِ بِالتَّنْكِيرِ، كَمَا يُقَالُ لِفُلَانٍ مَالٌ وَجَاهٌ، أَيْ كَثِيرٌ وَعَظِيمٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي الْأَوَّلِ: (يُحْبَرُونَ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَلَمْ يَقُلْ مَحْبُورُونَ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: (مُحْضَرُونَ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ وَلَمْ يَقُلْ يَحْضُرُونَ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ وَالِاسْمُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (يُحْبَرُونَ) يَعْنِي يَأْتِيهِمْ كُلَّ سَاعَةٍ أَمْرٌ يُسَرُّونَ بِهِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَهُمْ إِذَا دخلوا العذاب يبقون فيه محضرين.
(فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17)
قدم الإمساء على الإصباح هاهنا وَأَخَّرَهُ فِي قَوْلِهِ: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الْأَحْزَابِ: 42]
وذلك لأن هاهنا أَوَّلَ الْكَلَامِ ذِكْرُ الْحَشْرِ وَالْإِعَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ) [الروم: 11 - 16] وَآخِرَ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا ذِكْرُ الْحَشْرِ وَالْإِعَادَةِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) وَالْإِمْسَاءُ آخِرٌ فَذَكَرَ الْآخِرَ لِيَذْكُرَ الْآخِرَةَ.
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ(20)
وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ وَخَلَقَنَا مِنْهُ فَكَيْفَ قَالَ: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) ؟
نَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ