وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين} [العنكبوت: 6] لأن الإنسان طرأ على كون مُهيأ لاستقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه ، فكل ما في الكون خادم لك ، ولن تزيد أنت في مُلْك الله شيئاً ، وكل سَعْيك وفكرك لترف حياتك أنت ، فحين تفعل الخير فلن يستفيدَ منه إلا أنت وربك غني عن عطائك .
فإنْ جاهدتَ فإنما تجاهد لنفسك ، كما لو امتنَّ عليك خادمك بالخدمة فتقول له: بل خدمتَ نفسك وخدمتَ عيالك حينما خدمتَ لتوفر لك ولهم أسباب العيش ، وأنا الذي تعبتُ وعرقتُ لأوفر لك المال الذي تأخذه .
وكذلك الحق سبحانه يقول لنا {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ...} [العنكبوت: 6] أي: حينما يطبق المنهج ويسير على هُداه ، والحق سبحانه يؤكد هذه القضية في آيات عديدة {مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .
ويقول الحق سبحانه: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ...} [الإسراء: 7] .
ويقول سبحانه: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ...} [البقرة: 286] .
إذن: المسألة منك وإليك ، ولا دخلَ لنا فيها إلا حرْصنا على صلاح الخَلْق وسلامتهم ، كصاحب الصَّنْعة الذي يريد لصنعته أن تكون على خير وجه وأكمله ، لذلك أفيضُ عليه من قدراتي قدرة ، ومن علمي علماً ، ومن بَسْطي بَسْطاً ، ومن جبروتي جبروتاً ، وأعطيه من صفاتي .
لذلك قال بعض العارفين:"تخلقوا بأخلاق الله".